وداهي/بقلم محمد سالم بن جد

ثلاثاء, 16/07/2019 - 21:12

محمد عبد الله ابن احمياده الملقب (وداهي). رجل  نادر ليس فيه إلا ما هو طيب وحسن. خلقه. خطه. عطره. ثوبه قريحته .صوته. إلخ   رحمه الله رحمة واسعة  
كل ما يجوز لي ادعاؤه من علم النحو دين لهذا الرجل في عنقي. وعلى الله جزاؤه عني الجزاء الأوفى. فقد درست عليه عامي 1977_ 1978 متن عبيد ربه وبعض أشعار الستة الجاهليين(الستي) وبعض عمود النسب للبدوي رحمه الله.  ورغم أن(عبيد ربه)  يعد أحد صغار المتون التي يتلقاها المبتدئون. فإن كل ما درسته بعد ذلك للطلاب في مجال النحو حتي اليوم. لم يعد سوى إعادة شرح وتوسعا فيما تلقيته عن أستاذي "وداهي" رحمه الله 
في أواخر سنة 1977

كنا في وادي الناقه القرية الوليدة التي لا تعدو حيا بدويا .تتخلله مبان إسمنتية لا تصل عدد أصابع اليد الواحدة هي(من الشمال إلى الجنوب ) مكتب المقاطعة ومسكن الحاكم وقسمان ابتدائيان وما لا أراه يبلغ عشرة أكواخ والباقي خيم وأثناء حصة من الطراد المستمر مع اصدقائي المراهقين. نادتني الوالدة _رحمها الله _ وقالت لي إذا كان هذا يرضاه لأصدقائك أهلهم فأنا لا أرضاه لك! اذهب إلى " وداهي" وادرس عليه في أوقات فراغك .
امتثلت أمرها دون نقاش ولا اعتراض فذهبت إليه مساء اليوم نفسه فيما أظن وكنت قد أجدت التمييز. ولم أصل بعد إلى الإعراب وبعد استعلام موجز ومركز عما تعلمته من قبل. أمرني بدراسة "عبيد" وبسرعة صرت بمثابة ابنه ويده اليمنى. ولم أسعد بخدمة أحد سعادتي بخدمته. ومع انشغالي بما يكل إلي كان يكتب لي ما ينبغي أن أكتبه لنفسي. ومن ذلك نسخة من "عبيد" بخط يده الكريمة ذيلها بأنه كتبها لي كما استمر يكتب لي قصيدة من أشعار الستة الجاهليين(هم أمرؤ القيس وعلقمة والنابغة وزهير وطرفة وعنترة ) ويشرح لي أبياتا منها يوميا ويدربني فيها على الإعراب جنبا إلى جنب مع الحصة اليومية من "عبيد " أو " البدوي" فإذا أنهيت قصيدة. كتب لي أخرى وما زلت  أقتني بعض ما كتبه لي كما يقتنى أندر الكنوز.
كان "وداهي " ذا موهبة تربوية فائقة لم أر من يدانيها إلا أفرادا معدودين. كمحمد يحي ابن الشيخ الحسين ومحمد سالم ابن عبد الودود _رحمهما الله _ونظرائهما من أفذاذ العلماء أؤكد خلو ما قلته من المبالغة .ومن أهم ما يميزه أنه يشرح الدرس يستوعبه المتلقي بسهولة غريبة. وأذكر أنه لم يكن يبدو كمن يعلم .وإنما أخاله يذكرني بما هو بديهي ومعهود لدي لشدة وضوحه وسلاسته رغم أني لم أعرفه من قبل. 
بيد أن من دروسه ما استوعبته نظريا في حينه. ثم فسرته لي الحياة تطبيقا في وقت لاحق. من قبيل بيتين من إحدى قصائد أمرئ القيس .
1 وكأن شاربها أصاب لسانه ** موم يخالط جسمه بسقام
2 وكأنما بدر وصيل كتيفه ** وكأنما من عاقل أرمام 
(الإقواء من الشاعر لا مني)
ففي العقد التاسع من القرن الميلادي المنصرم عملت فترات متقطعة "وكافا" في بعض حوانيت التجزئة بالعاصمة الإقتصادية(للمرحلة الحانوتية " من حياتي نتوءات تستحق وقفات وهو ما أرجو أن أصل إليه في الذكريات المبعثرة) وما يدخل في الموضوع هنا أنني كنت صيف 1984 أعمل في متجر سقط في الطرف الشرقي من انواذيبو المسمى صاله تركه. التي أضيفت إليها لا حقا صفة المبلولة بعد ترحيل اكواخها سنة 1989 إلى المرتفعات الواقعة غرب المطار. ورحيل الاسم مع الاكواخ فصار هناك حيان بهذا الاسم وهو ما دعا السكان إلى الحاق الصفة للتمييز بين المسميين (صاله اليابسه، صاله المبلوله )
كانت لنا جارة مسنة مشهورة هناك بالاسراف على نفسها وادمان الخمر دون وازع من دين أو سلطة أو ضمير. وكانت تقضي معظم فترة السكر في الشارع فإذا كانت في سورة الخمر الأولى بدت كأنها لكناء لا تبين رغم فصاحتها في أوقات الصحو. فإذا تجاوزت تلك المرحلة انقلب الأمر إلى غناء وطرب لا يعترف بسكون الليل ولا يعكره ضجيج النهار.  ثم تصحو يومين أو ثلاثة فتعاود الشرب وتتكرر الحالة ذاتها شرحت لي الحياة أول البيتين بهذه المرأة 
(وكأن شاربها أصاب لسانه **موم يخالط جسمه بسقام) 
في السفرة ذاتها ذهبت إلى انواذيب في سيارة تجوب فلوات شاسعة متباينة التضاريس في رحلة متعبة دامت أكثر من 24 ساعة وعدت في طائرة "فوكير" حديثة أنذاك في رحلة لم تزد على  35 دقيقة شرحت لي البيت الثاني 
(وكأنما بدر وصيل كتيفه ** وكأنما من عاقل أرمام ) 
           ***
انتقلت من وادي الناقة مطلع سنة 1979 ولم آتيه إلا زائرا بعد ذلك ثم انتقل "وداهي " إلى إديني وظل هناك حتى وفاته سنة 1994 فقلت لقاءاتنا ولكن ذكراه الفواحة ستظل ملازمة لذهني ما بقيت وحقه سيظل أكبر من أي شكر أسديه رحمه الله  وحفظ ذريته الطيبة وأهل بيته الأكرمين وزملائي من طلابه،  وذرية الجميع وطلابه وأحبابه.